محمد كرد علي

5

خطط الشام

وأهم العوامل في اضمحلال العلم في ديار الإسلام زهد الملوك والأمراء فيها واشتغال الناس بالفتن والغوائل . ومذ أخذ العلماء يتعلمون علوم الدين للجاه والمال ، ضعفت علوم الدين والدنيا معا . وأصبح السلطان للممخرقين والمعطلين والمتهوسين بمسائل الكشف والولاية من علماء الرسم ، وليس الغرض من العلوم كما قال ابن ساعد الاكتساب بل الاطلاع على الحقائق ، وتهذيب الأخلاق ، على أن من تعلم علما للاحتراف لم يأت عالما وإنما يجيء شبيها بالعلماء . ولقد كوشف علماء ما وراء النهر بهذا الأمر ، ونطقوا به لما بلغهم بناء المدارس ببغداد ، فأقاموا للعلم مأتما ، وقالوا كان يشتغل به أرباب الهمم العلية والأنفس الزكية الذين يقصدون العلم لشرفه والكمال به ، فيأتون علماء ينتفع بهم وبعلمهم ، وإذا صار عليه أجرة تدانى إليه الأخساء وأرباب الكسل ، فيكون ذلك سببا لارتفاعه ، ومن هنا هجرت علوم الحكمة وإن كانت شريفة لذاتها . إن الذين يولعون بالعلم للعلم في هذا العالم قلائل جدا ، ولكنهم يكونون على الأكثر ممن نسميهم أو أكثرهم بأهل النبوغ والعبقرية ، يتفانون في مقصدهم ويأتون بالجديد يبدعون ويبرّزون على من اتخذوا العلم آلة للمظاهر وعنوانا للتصدر ، وهم هم الذين يذهبون بفضل الشهرة في الأرض ، وتبقى أعمالهم شاهدة لهم بعد موتهم أحقابا ودهورا ، ومن هذا الفريق أنجبت الشام قديما وحديثا جماعة افتخرت بهم ، وعدّوا بأعمالهم بالقياس إلى حال هذا القطر وإلى مجموع علماء الأمة كتلة صالحة أثرت تأثيرا محمودا في العلم والمدنية ، وقد عرفنا تراجم أكثر رجال العهد العربي لقربه منا ، ولا طراد التدوين في العرب في أغلب العصور على طريقة حسنة في الجملة ، فوقفنا بها على منازعهم وأعمالهم . وغابت عنا تراجم كثير من المهندسين والنقاشين والمصورين والموسيقيين لأن القوم على ما يظهر يحسبون هذا الصنف النافع من الناس من أهل الصناعات فقط لا من أهل العلم . كأن العلم كله على اختلاف ضروبه ليس صناعة من الصناعات . وقد اصطلح المتأخرون على أن المراد بالعلم إذا أطلق يقصد منه العلم الديني . ومن الغريب أن بعض المتأخرين ممن دوّنوا تراجم أهل عصورهم حرصوا على تراجم المجاذيب والممخرقين ولم يذكروا مثلا تراجم أهل تلك